العيني

70

عمدة القاري

والجواز دليل على عدم إفساد الصلاة . وقال عياض : وقوله : ( ناهزت الاحتلام ) يصحح قول الواقدي : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، توفي وابن عباس ابن ثلاث عشرة سنة . وقول الزبير بن بكار : إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين . وما روي عن سعيد بن جبير عنه ، توفي النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وأنا ابن خمس عشرة سنة . قال أحمد : هذا هو الصواب ، وهو يرد رواية من يروي عنه ، أنه قال : توفي النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وأنا ابن عشر سنين . وقد يتأول ، إن صح ، على أن معناه راجع إلى ما بعده ، وهو قوله وقد قرأت ( المحكم ) . بيان استنباط الاحكام : الأول : فيه جواز سماع الصغير ، وضبطه السنن والتحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية ، وإنما يشترط عند الأداء . ويلتحق بالصبي في ذلك : العبد والفاسق والكافر . وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره مقام حكاية قوله . الثاني : فيه إجازة من علم الشيء صغيراً وأداه كبيراً ، ولا خلاف فيه ، وأخطأ من حكى فيه خلافاً ، وكذا الفاسق والكافر إذا أديا حال الكمال . الثالث : فيه احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجح منها ، فإن المرور أمام المصلين مفسدة ، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة ، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار . الرابع : فيه جواز الركوب إلى صلاة الجماعة . الخامس : قال المهلب : فيه أن التقدم إلى القعود لسماع الخطبة إذا لم يضر أحداً والخطيب يخطب جائز ، بخلاف ما إذا تخطى رقابهم . السادس : أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة ، وعليه بوب أبو داود ، في ( سننه ) ، وما ورد من قطع ذلك محمول على قطع الخشوع . السابع : فيه صحة صلاة الصبي . الثامن : فيه أنه إذا فُعل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولم ينكره فهو حجة . التاسع : جواز إرسال الدابة من غير حافظ أو مع حافظ غير مكلف . العاشر : قال ابن بطال وأبو عمر والقاضي عياض : فيه دليل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وكذا بوب عليه البخاري ، وحكى ابن بطال وأبو عمر فيه الإجماع . قالا : وقد قيل : الإمام نفسه سترة لمن خلفه ، وأما وجه الدلالة فقال عياض : قوله : فلم ينكر ذلك أحد ، لأنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم رآه ، وهو الظاهر لقوله ، بين يدي الصف فهو حجة لتقريره ، وإن كان بموضع لم يره فقد رآه أصحابه بجملتهم فلم ينكروه ، ولا أحد منهم ، فدل على أنه ليس عندهم بمنكر ، وقال غيره : يحتمل أن لفظة : أحد ، تشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، لما فيها من العموم ، لكنه ضعيف بأنه لا معنى لعدم إنكار غير النبي صلى الله عليه وسلم مع حضوره صلى الله عليه وسلم ، وعدم إنكاره أيضاً ، فيجوز أن يكون الصف ممتداً فلا يراه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا أن ابن عباس ذكر الرائين ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم احترازاً منه . قلت : فعلى هذا لا يكون من باب المرفوع قطعاً ، بل مما يتوجه فيه الخلاف ، ويحتمل كما قالوا في شبهه . وقال أبو عمر : حديث ابن عباس ، رضي الله عنهما ، هذا يخص بحديث ابن سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، يرفعه : ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه ) . قال : فحديث أبي سعيد هذا يحمل على الإمام والمنفرد ، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه لحديث ابن عباس هذا ، قال : وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء ، ومما يوضحه حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر ، أو العصر ، فجاءت بهيمة تمر بين يديه ، فجعل يدرؤها حتى رأيته ألصق منكبيه بالجدار فمرت من خلفه ) . قلت : أخرجه أبو داود من أبو داود من أوله : كان يصلي إلى جدر ، وفيه : حتى ألصق بطنه بالجدر . وبوب عليه : باب سترة الإمام سترة لمن خلفه . قال : والمرور بين يدي المصلي مكروه إذا كان إماماً أو منفرداً أو مصلياً إلى سترة ، وأشد منه أن يدخل المار بين السترة وبينه ، وأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه ، كما أن الإمام أو المنفرد لا يضر واحد منهما ما مر من وراء سترته ، لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه . وقد قيل : إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه . قال : وهذا كله إجماع لا خلاف فيه . وقال ابن بطال : اختلف أصحاب مالك فيمن صلى إلى غير سترة في فضاء يأمن أن يمر أحد بين يديه ، فقال ابن القاسم : يجوز ولا حرج عليه ، وقال ابن الماجشون ومطرف : السنة أن يصلي إلى سترة مطلقاً . قال : وحديث ابن عباس يشهد لصحة قول ابن القاسم وهو قول عطاء وسالم وعروة والقاسم والشعبي والحسن ، وكانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة ، وسيأتي بسط الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى . 77 حدّثني مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال : حدّثنا أبُو مُسْهِرٍ قال : حدّثني مُحمَّدُ بنُ حَرْب حدّثني